أنا السجين !

بقلم (عمر غازي)

منذ صغري وأنا أشعر بانجذاب نحو الأشخاص الذين تعرضوا لتجربة الاعتقال السياسي، وغيّبوا خلف قضبان النظام الحاكم، كان يلازمني شعور غريب بالتقدير لهم بلا تمييز لخلفياتهم أو أيدلوجياتهم ما لم ينتهجوا العنف المادي سبيلاً، وفي الوقت ذاته لم أكن مهتما بالسياسة أو منخرطاً فيها.

لم أدرك وقتها دوافعي ولم أشأ أن أبحث عن أسباب، لدرجة أنه إذا كان بإمكاني مجالسة شخصية عامة ملئء السمع والبصر تسلط عليها الأضواء والكاميرات لانزويت عنها للجلوس في مكان بعيد مع أحد المهمشين البسطاء ممن نالتهم سياط البطش والقمع وكان في نظري شخصاً يستحق أن أنصت له شاغراً فاهي.

كبرت وكبر معي شعور آخر هو أنني في يوم ما سيأتي اليوم لأكتب آلافا من الأحرف خلف تلك الجدران، كان إحساسي يقول لي بأن السجن هو البوابة الكبرى للخروج بتجربة توسع مدارك العقل والتفكير والتأمل لتستحق التدوين.

لا أدري على وجه التحديد كيف تسلل إليّ هذا الاعتقاد، هل كان لما سمعته من والدي من حكايا عن فترات اعتقاله في شبابه وما عاناه، بالفعل كانت هذه الحكايات بالنسبة لي جذابة ولا تمل، فكانت ليالي وأيام السجن مليئة بالقصص والأشخاص والوجوه والأفكار والتحولات والتناقضات المثيرة لشخص مثلي لا تستهويه القصص والحواديت كثيراً.

مرت الأيام والسنون لأستيقظ ذات مساء على شقيقي (معاوية) الذي يخبرني أن ثورة شعبية انطلقت شرارتها في تونس تجرف في طريقها النظام وأن مئات الآلاف من المواطنين في الشوارع تعاطفاً مع شاب أحرق نفسه احتجاجا على مصادرة عربة الخضار التي يتخذها مصدرا لرزقه، سارعت إلى التلفاز ثم إلى الفيسبوك لأجد العشرات من الأصدقاء في حال احتفال واستبشار وتفاؤل الكل حولي وكأنه في عيد.

أما أنا فبيني وبين نفسي شعرت بشعور غريب أحسست بنشوة الانتصار لشخصي فأنا الذي طالما كنت أقول لأمي وإخوتي بالبيت ماذا لو خرج الناس للشوارع او امتنعوا عن الخروج من بيوتهم، إنها خطوة ليست بالصعبة ولكن كيف السبيل إليها، ربما كانت أمي تنعتني بالجنون والهذيان وتخشى عليّ من الجدران التي لها آذان، لكنني وقتها كنت أتوق لتغيير الرئيس الكهل الذي أبصرت النور وقد سبقني إلى الحكم بأربع سنوات، ربسما كان يأسي يدفعني في بعض الأحيان لطلب التغيير ولو في صورة الوريث كنت أقول لنفسي فليذهب مبارك حتى لو أتى جمال ابنه فعلى الأقل سيكون شاباً ومدنياً، ربما يتغير شيء ما المهم أن يذهب هذا الكهل الجاثم على صدورنا.

فتحت ثورة تونس طاقات الأمل لدى الشباب المصري وكنت أنا أحدهم، فجلست مع أخي وأحد الأصدقاء في ذات مساء وفكرنا في أن نقوم بعمل برنامج اكتفي فيه بدور المعد على أن يظهر فيه أخي يبث على الإنترنت ندعو فيه شباب مصر للاقتداء بالنموذج التونسي، كان طرح الفكرة في البيت أما والدي ووالدتي كفيل بقتلها.

مرت الأيام سريعاً وانطلقت شرارة التغيير في مصر، ونشرت وقتها مقالا بعنوان (مبارك يعاني من فارق التوقيت) ومما جاء فيه: “لا أدري كيف تفكر الأنظمة المستبدة؟ هل كان مبارك ونظامه يعتقدون مثلا أن هذه الجموع خرجت عن صمتها لإقالة رئيس الحكومة أحمد نظيف مثلا؟ أو أن خراطيم مياه وبعض البلطجية قادرون على إخماد غضب وثورة شعب كتم غيطة وداس على جراحه 3 عقود؟ المضحك المبكي أن الخطة العبقرية التي انتهجها الرئيس للتعامل مع الأزمة استوحاها من سلفه (السادات) متناسيا أو متجاهلا فارق التوقيت، يا ربااااااااااه هل يمكن أن تنجح استيراتيجيات عام 77م في 2011م لمواجهة الثوار؟ لا اعتقد أن السادات نفسه إذا كان يعيش بيننا اليوم في عصر الـ(الفيس بوك) و(تويتر) (ويتويوب) أن ينتهج نفس الأسلوب، وهو ما تنبه له الرئيس أيضا فقام بقطع الاتصالات والإنترنت لتكتمل الحبكة الدرامية ويعود بالزمن إلى الوراء 34 عاماً، ربما كان فارق التوقيت الذي يعاني منه الرئيس المعمر يلعب دورا مهما لكنها أيضا غلطة الحمام الزاجل الذي لم يبلغه أن هناك (قناة اسمها الجزيرة).” ا.هـ

مضت 4 سنوات ونصف على ذلك التاريخ مرت خلالها ثورة الخامس والعشرين من يناير بانتصارات وانكسارات ومنعطفات ومنحنيات كثيرة كنت فيها مع الثورة بقلبي وبقلمي المتواضع، منعتني ظروف إقامتي مع عائلتي بالخارج من أكون معتقلاً في سجون المجلس العسكري أو مرسي أو الانقلاب العسكري، لكنني بعد هذه الأعوام حيث يفصلني عن الثلاثين من عمري أشهر يسيرة استفقت على حقيقة غائبة هي أنني حقاً (سجين)، وإن كنت أصحى وأنام في بيتي وبين والديّ وإخوتي، إنني مختطف وإن كانت لي حرية التنقل، إن هناك من يحتل عقلي وعقول الملايين قبل أن يأتي آخر لينهب قوتنا من حيث نظن أنه يحمينا.

إننا في عالمنا العربي وفي مصر على وجه الدقة يفصلنا عن الحرية ألف باب وباب في سجون بعضها فوق بعض!! فتحررك من الطاغية لا يعني تخلصك من النظام المستبد المهيمن على كل مفاصل الدولة العميقة ومؤسساتها التي عشش فيها الفساد وفرضك الأمر الواقع على مؤسسات الدولة لن يجعلك بمعزل عن الاستقطاب السياسي والأيدلوجي بين أطياف المجتمع وقفزك فوق هذه العقبة لن تجعلك بمأمن عن مواجهة جيوش تحولت عقائدها السياسية لحماية أمن العدو بدلاً من مواجهته واستقوائك بالجموع سيصطدم بالهيمنة الأمريكية الصهيونية على محيطك الخارجي وستجد نفسك فريسة للأذرع الإقليمية والعصابات الأصولية وأصحاب الأيدلوجيات الدموية.

لا أبالغ عندما أقول إننا أسرى الماضي، وسجناء الحاضر، ومختطفو المستقبل.

وهو ما يعبر عنه نزار قباني في إحدى قصائده بقوله:

مُعتَقَلُونَ..

داخلَ النصّ الذي يكتُبُهُ حُكَّامُنَا

مُعتَقَلُونَ..

داخلَ الدين كما فَسَّره إمامُنا

مُعتَقَلُونَ..

داخلَ الحُزْن، وأحلى ما بنا أحزانُنَا

مُراقَبون نحنُ في المقهى.. وفي البيتِ..

وفي أرْحَامِ أمَّهاتِنا..

حيثُ تلفَّتْنَا، وجدنا المخبرَ السِريَّ في انتظارِنا

فما أثبتته لنا الممارسة السياسية على مدار الأعوام الأربعة المنصرمة لا يدع شكاً أنه لا ثورة سياسية ما لم يسبقها ثورة فكرية وثقافية لتحط الرحال في نهاية المطاف بثورة اجتماعية، وأن ما فعلناه حتى اليوم ومازلنا فيه ما هو إلا ارهاصات لواقع اقترب، لكنه يحتاج إلى بذل الجهد والفكر عبر مستويات مختلفة، فالثورة عمل شاق له حسابات مغايرة، وهي ليست ترفيهاً، أو نزهة، أو مساراً يحدده من يشاء من خارجه، فما بني في عقود يمكن خلخلته بشكل مفاجئ، لكن ذلك لا يعني إمكانية هدمه، أو إحلال البديل عنه بسهولة، كما أن منطق التاريخ يسلينا، إذا علمنا أن أعظم الثورات التي أثّرت في أوروبا بأسرها، وهي الثورة الفرنسية، مرت بانكسارات طويلة في مسارها، ولم تحقق انتصارها سوى بعد عشر سنوات من اندلاع شراراتها، التي خلقت موجات عديدة داعمة ومضادة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s